أبو الليث السمرقندي
425
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فأخذ أموالهم ، فقسمها بين المهاجرين ، ولم يعطها أحدا من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين ، وهما سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة ، فنزلت هذه الآية : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ يعني : بني النضير لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ، يعني : أول الإجلاء من المدينة . وقال عكرمة : من شك بأن الحشر هو الشام ، فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ . فلما قال لهم : اخرجوا من المدينة ، قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى أرض المحشر . فقال لهم : إنهم أول من يحشر ، وأخرج من ديارهم . ثم قال : ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، يعني : ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم . وذلك إن بني النضير كان لهم عز ومنعة ، وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون . وَظَنُّوا أَنَّهُمْ ، يعني : وحسبوا بني النضير أنهم مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعني : أن حصونهم تمنعهم من عذاب اللّه . فَأَتاهُمُ اللَّهُ ، يعني : أتاهم أمر اللّه ، ويقال : فَأَتاهُمُ اللَّهُ بما وعد لهم . مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، يعني : لم يظنوا أنه ينزل بهم ، وهو قتل كعب بن الأشرف ، ويقال : خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم مع الجيش إليهم . وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ، يعني : جعل في قلوبهم الخوف . يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ . وذلك أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب ، وكان المسلمون ينقبون بيوتهم ، ويدخلونها ، وكان اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها . ويقال : كان اليهود ينقبون بيوتهم ، ليرموا بها على المسلمين ؛ وكان المسلمون يخربون نواحي بيوتهم ، ليتمكنوا من الحرب . ويقال : كان اليهود أنفقوا في بيوتهم ، فلما علموا أنهم يخرجون منها ، جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون ؛ وكان المؤمنون يخربونها ، ليدخلوا عليهم . قرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد . والباقون بالتخفيف . قال بعضهم : هما لغتان : خرب وأخرب . وروي عن الفراء أنه قال : من قرأ بالتشديد ، فمعناه يهدمون ؛ ومن قرأ بالتخفيف ، فمعناه يعطلون . ثم قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ، يعني : من له البصارة في أمر اللّه . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 3 إلى 5 ] وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 4 ) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) قوله عز وجل : وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ، يعني : لولا أن قضى اللّه عليهم